الشيخ عبد القادر الجيلاني(رحمة الله) ومنهجه في الدعوة

 الشيخ عبد القادر الجيلاني (رحمة الله)


هو الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى جنكِي دَوَّسَتْ بن أبي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض المجل بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهيم

الشيخ عبد القادر الجيلاني (رحمة الله)




اسمه ونسبه: 

هو الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى جنكِي دَوَّسَتْ(1) بن أبي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض المجل بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهيم(2).

وهو سبط أبي عبد الله الصومعي من جلَّة مشايخ جيلان، أمه أم الخير بنت أبي عبد الله، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله أصغر منه سناً، نشأ في العلم والخير، ومات بجيلان شاباً وعمته الصالحة أم عائشة استسقى بها أهل جيلان فلم يسقوا، فكنست رحبة بيتها وقالت: يا رب کنست رحبة بيتي فرش أنت، فمطروا كأفواه القرب.(3)

وقال الشيخ الإمام موفق الدين رحمه الله: كان شيخنا محيي الدين عبد القادر(رحمه الله)، نحيف البدن، ربع القامة، عريض الصدر واللحية، طويلها، أسمر، مقرون الحاجبين، حفيا، ذا صوت جهوري، وسمت بهي، وقدر علي، وعلم وفي، - رضي الله عنه - (4)

كنيته ولقبه:

يكنى الشيخ (رحمه الله) بأبي محمد(5) وأبي صالح(6)

وكان لشيخ عبد القادر الجيلاني مجموعة من الألقاب من أهمها:

  1. محي الدين(7).
  2. تاج العارفين(8).
  3. قطب الزمان(9).
  4. شيخ الإسلام(10).


 مولده ونشأته

ولد الشيخ عبد القادر الجيلي سنة 470ه(11)، في بلدة الجيل وهي قرية عراقية تابعة لمدينة المدائن قرب بغداد(12)

وقد نشأ الشيخ عبد القادر في أسرة وصفتها المصادر الإسلامية بالصالحة، فقد كان والده أبو صالح موسى على جانب كبير من الزهد وكان شعاره مجاهدة النفس وتزكيتها بالأعمال الصالحة ولذا كان لقبه "محب الجهاد" وأمه فاطمة بنت عبد الله الصومعي الزاهد الحسينية(13).

 شيوخه

ونذكر بعض شيوخه ومنهم 

  1. أبو سعيد المبارك بن علي المخرمي شيخ الحنابلة تفقه بالقاضي أبي يعلي وبني مدرسة باب الأزج درس بها بعده تلميذه الإمام عبد القادر الجيلي بعد أن خوَّرها وأدخل عليها بعض التوسعة والتجديد، وكان نزيها عفيفاً، وقد فتحت عليه الدنيا، فبنى داراً وحماماً وبستاناً، مات سنة 513ه.(14)
  2. العلامة شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري [431 – 513ه] (15).
  3. الشيخ أبو بكر أحمد بن المظفر بن حسين بن عبد الله بن موسى التّمار[411 -503ه](16).
  4. الشيخ الإمام البارع المحدث المسند بقية المشايخ أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسن بن أحمد البغدادي السراج القارئ الأديب [417-500] (17).
  5. أبو عبد الله يحيي بن الإمام أبو علي الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي الحنبلي: كان الحافظ عبد الله بن عيسى الأندلسي يثني عليه ويمدحه ويطريه ويصفه بالعلم والفضل وحسن الأخلاق وترك الفضول وعمارة المسجد وملازمته ولد سنة 453ه وتوفي سنة 531ه(18).
  6. الإمام شيخ الحنابلة أبو الخطّاب محفوظ بن أحمد بن حسن بن حسن العِراقي الكَلْواذَانِي [432 – 510ه](19).
  7. الشيخ المحدث أبو البركات هِبَةُ الله بن المبارك بن موسى البغداديّ السَّقَطِي[445 – 509ه](20)


تلاميذه

سمع من الشيخ كثير من الخلق، إذ كان يحضر مجلسه أكثر من سبعين ألفاً، منهم من كان يلازمه ملازمة تامّة، وهم كثر، نذكر من أشهرهم:

  1. الزاهد العابد شيخ العراق أبو علي الحسن بن مسلم بن أبي الجود الفارسي العراقي من أهل قرية الفارسية ومات في المحرم سنة أربع وتسعين وخمس مئة(21).
  2. الشيخ الجليل، الثقة، مسند العراق، أبو طالب عبد اللطيف ابن أبي الفرج محمد بن علي بن حمزة بن فارس، ابن القبيطي الحراني (554-562ه)(22).

مصنفاته

صنف الشيخ عبد القادر الجيلاني مصنفات كثيرة في الأصول والفروع 

ومن أهم هذا الكتب

  1. الغنية لطالبي طريق الحق. مطبوع 
  2. الفتح الرباني والفيض الرحماني. مطبوع
  3. فتوح الغيب. مطبوع
  4. إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين(23).
  5. آداب السلوك والتوصل إلى منازل الملوك(24). مطبوع
  6. أوراد الجيلي. 
  7. تحفة المتقين وسبيل العارفين. 
  8. جلاء الخاطر في الباطن والظاهر. مطبوع
  9. الحزب الكبير. 
  10. دعاء البسملة (25).
  11. حزب الرجاء والانتهاء(26).

 وفاته

استمر الشيخ عبد القادر مثابرا في دعوته إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، حتى وافاه الأجل ليلة السبت 10 ربيع الثاني سنة 561 ه وله تسعون سنة(27) (28) ودفن بالمدرسة التي كانت له.

 ولله در بعضهم حيث جمع ذلك كله یعنی تاريخ الولادة والوفاة والعمر في بيت مفرد حيث قال:

إن باز الله سلطان الرجال ****** جاء في عشق ومات في كمال

فعلى هذا كلمة (عشق) عددها بالجمّل أربعمائة وسبعين، فهو تاريخ الولادة وكلمة (كمال)، أحد وتسعون فهو قدر العمر، وإذا ضمينا كلمة (عشق) مع كلمة (كمال) يكون الحاصل من العدد خمسمائة وأحد وستون، فهو تاريخ الوفاة للجيلي.(29)

طلبه للعلم ورحلاته

رحل الشيخ عبد القادر الجيلاني من بلده ومسقط رأسه جيلان إلى بغداد حيث دخلها سنة [488ه] وعمره آنذاك ثماني عشرة سنة، والتقى في بغداد بمجموعة من مشاهير العلماء الذين نهل من مناهلهم واستفاد من معارفهم حتى أصبح عالماً في مختلف العلوم إذ يصفه الذهبي في ترجمته له بأنه: الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام وعلم الأولياء ومحي الدين(30)، كما يصفه ابن رجب (شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، صاحب المقامات والكرامات، والعلوم والمعارف، والأحوال المشهورة)(31)
قال في أحد مجالسه: كنت أقتات بخرنوب(32) الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشط، وبلغت الضائقة في غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أيامًا لم آكل فيها طعامًا، بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها، فخرجت يومًا من شدة الجوع إلى الشط لعلي أجد ورق الخس أو البقل، أو غير ذلك فأتقوت به. فما ذهبت إلى موضع إلا وغيري قد سبقني إليه وإن وجدت أجد الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حبًا، فرجعت أمشي وسط البلد أدرك منبوذًا إلا وقد سبقت إليه، حتى وصلت إلى مسجد ياسين بسوق الريحانيين ببغداد وقد أجهدني الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت إليه وقعدت في جانب منه وقد كدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز صافي وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقحة أن أفتح فمي من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسي: فقلت ما هذا. وقلت: ما ههنا إلا الله، أو ما قضاه من الموت، إذ التفت إلى العجمي فرآني، فقال: بسم الله يا أخي، فأبيت، فأقسم عليّ فبادرت نفسي فخالفتها، فأقسم أيضًا، فأجبته، فكلت متقاصرًا، فأخذ يسألني: ما شغلك. ومن أين أنت. وبمن تعرف? فقلت: أنا متفقه من جيلان. فقال: وأنا من جيلان فهل تعرف شابًا جيلانيًا يسمى عبد القادر يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد? فقلت: أنا هو فاضطرب وتغير وجهه، وقال: واللّه لقد وصلت إلى بغداد، معي بقية نفقة لي، فسألت عنك فلم يرشدني أحد ونفذت عقتي، ولي ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي، إلا مما كان لك معي، وقد حلت لي الميتة، وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء، فكل طيبًا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن، بعد أن كنت ضيفي، فقلت له: وما ذاك. فقال: أمك وجهت لك معي ثمانية دنانير، فاشتريت منها هذا للاضطرار، فأنا معتذر إليك، فسكّته، وطيبت نفسه، ودفعت إليه باقي الطعام، وشيئًا من الذهب برسم النفقة، فقبله وانصرف(33).

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

ويكفي في معرفة مكانة الشيخ عبد القادر الجيلاني العلمية ثناء شيخ الاسلام ابن تيمية (رحمة الله) عليه، بأن الشيخ عبد القادر من شيوخ الكبار(34)، ثم شهد بأنه من أعظم مشايخ زمانه في الأمر بالتمسك بالشريعة الغراء فيقول: الشيخ عبد القادر " ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمرا بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى والإرادة النفسية(35).

قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، قَالَ: سمعت شيخنا الشيخ موفق الدين بن قدامة يقول: دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة فإذا الشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علما وعملا ومالا واستفتاء. وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم، والصبر على المشتغلين، وسعة الصدر. وكان ملء العين، وجمع الله فيه أوصافا جميلة، وأحوالا عزيزة، وما رأيت بعده مثله(36).

قال شيخنا الحافظ أبو الحسين علي بن محمد: سمعت الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الفقيه الشافعي يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر(37).

قال ابن الجوزي (رحمة الله): كان ابو سعد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج ففوضت الى عبد القادر فتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندا الى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت وتعصب في ذلك العوام واقام في مدرسته يدرس ويعظ الى ان توفي(38)

وأما ذكاؤه وفطنته وقدرته على حل المعضلات من الحوادث والمسائل فيشد لذلك ابه عبد الرزاق بقوله: جاءت فتوى من العَجَم إلى بغداد بعد أن عُرِضَتْ على علماء العراقَيْن: عراقِ العجم وعراق العرب، فلم يتضح لأحدٍ منهم جوابٌ شافٍ، وصورتُها: ما يقول السَّادة العلماء في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاق الثَّلاث أَنَّه لا بُدَّ له أن يعبد الله عزَّ وجَلَّ عبادةً ينفرد بها دون جميعِ النَّاس في وقتِ تَلَبُّسِهِ بها، فما يفعل من العبادات؟ فأُتي بها إلى والدي، فكتب عليها على الفور: يأتي مكة ويخلى له الطَّواف، ويطوف أُسبوعًا وحده، وتنحل يمينه. فما باتَ المستفتي ببغداد (39).

قال الحافظ ابن كثير: الشيخ عبد القادر الجيلي، كان فيه تزهد كثير وله أحوال صالحة ومكاشفات(40)

أثر الشيخ في اللاحقين له

وكان الشيخ عبد القادر الجيلاني من زعماء الدعوة الشعبية والإصلاح العام في عاصمة الخلافة العباسية، فقد كانت عامّة الجماهير متعطشة إلى شخصية روحية رفيعة، تكون على تواصل بالشعب وطبقاته وجماهيره تؤثر في المجتمع بدعوتها ومواعظها وتزكيتها، وتوقظ في النفوس الإيمان وتحي فقه القدوم على الله وتحرك في القلوب الحب لله والحنين إليه، وتحث على الطموح وعُلَّو الهّمة وبذل الجهد في الحصول على علم الله الصحيح وعبادته ونيل رضوانه والمسابقة إلى سبيله وتدعو إلى التوحيد الكامل والدين الخالص ولقد كان هذا المصلح الكبير في شخص الشيخ عبد القادر الجيلاني واستطاع أن يؤسس مدرسة ساهمت مع الزنكيين في تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات العقائدية والفكرية والاقتصادية، والاجتماعية وساهمت في إعداد جيل المواجهة للخطر الصليبي في البلاد الشامية وقد استفاد عبد القادر الجيلاني من جهود من سبقوه وتعاليمهم وخصوصاً الإمام الغزالي الذي قام بدور عظيم في تاريخ الإصلاح والتجديد وحوّل تلك التعاليم إلى مناهج مبسطة يفهمها العامّة وطلاب العلم والعلماء فقد وضع الشيخ عبد القادر منهجاً متكاملاً يستهدف إعداد الطلبة والمريدين روحياً واجتماعياً، ويؤهلهم لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوفر لهذا المنهج فرص التطبيق العملي في الرباط المعروف باسم الشيخ عبد القادر حيث كانت تجري التطبيقات التربوية والدروس والممارسات الصوفية ويقيم الطلبة والمريدون، فالتحليل الدقيق للنظام التربوي الذي طبقه الشيخ عبد القادر الجيلاني يكشف عن تأثير كبير بالمنهاج الذي اقترحه الغزالي(41).

منهجه في الدعوة والإرشاد

وضع الشيخ عبد القادر منهجاً متكاملاً يستهدف إعداد الطلبة والمريدين علمياً وروحياً واجتماعياً ويؤهلهم لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويشتمل المنهج على:
  1. الإعداد الديني والثقافي: يتحدد هذا الإعداد بحسب عمر الطالب أو المريد وحاله، ويتسع المنهج تدريجيا حتى يتضمن حوالي ثلاثة عشر علماً تشمل التفسير والحديث والفقه والخلاف والأصول والنحو والقراءات بالإضافة إلى ما سبق ذكره، وكان الجميع بين الفقه والتصوف شرطاً أساساً للمريدين(42).
  2. الإعداد الروحي: يستهدف الإعداد الروحي تربية إرادة المتعلم أو المريد حتى يصبح صفاء بلا كدر ويصير مع النبي صلى الله عليه وسلم في عقله ومشاعره ومعناه ويكون دليل قدوته، كما أقام التزكية الروحية على قاعدة فكرية تستهدف إقناع المريد بما يمارسه(43).
  3. الإعداد الاجتماعي: ليس الصوفي عنده ذلك الفرد المنعزل عن أمته، فاستهدف الإعداد توثيق العلاقات بين الأفراد والجماعات والقضاء على أسباب التفكك الاجتماعي الذي ساد المجتمع. كذلك حرص الشيخ عبد القادر أن يبتعد بالمريد عن كل ما ينزل من مكانته الاجتماعية كالبطالة والعيش على هبات المحسنين، وسؤال الناس، وحثه على الاشتغال بالكسب والتجارة مع مراعاة قواعد الأخلاق والأمانة. وقال: أن تصحب الأغنياء بالتعزز والفقراء بالتذلل... وعليك بصحبة الفقراء والتواضع وحسن الأدب والسخاء... وعلى المريد أن يحذر من الضعف أمام عطاء الأغنياء، أو يطمع بنوالهم، لأن تملقهم من أخطر الأمور على دين المرء وعلى خلقه(44).

نبذة من قصص الشيخ

ونقل اليافعي في «الكفاية» عن بعض أصحاب الشيخ عبد القادر رضي الله عنه قال: خرج الشيخ عبد القادر الجيلاني من داره ليلة فناولته الإبريق فلم يأخذه، وقصد باب المدرسة فانفتح له الباب، فخرج وخرجت خلفه، ثم عاد الباب مغلقا، ومشى إلى قرب من باب بغداد فانفتح له فخرج وخرجت معه، ثم عاد الباب مغلقا، ومشى غير بعيد، وإذا نحن في بلد لا أعرفه فدخل فيه مكانا شبيها بالرباط، وإذا فيه ستة نفر فبادروا إلى السلام عليه، والتجأت إلى سارية هناك وسمعت من جانب ذلك المكان أنينا، فلم ألبث إلا يسيرا حتى سكت الأنين، ودخل رجل وذهب إلى الجهة التي سمعت فيها الأنين ثم خرج يحمل شخصا على عاتقه، ودخل آخر مكشوف الرأس، طويل الشارب وجلس بين يدي الشيخ، فأخذ عليه الشيخ الشهادتين وقص شعر رأسه، وشاربه، وألبسه طاقية وسماه محمدا وقال لأولئك النفر: أمرت أن يكون هذا بدلا عن الميت، قالوا: سمعا وطاعة، ثم خرج الشيخ وتركهم وخرجت خلفه، ومشينا غير بعيد، وإذا نحن بباب بغداد، فانفتح كأول مرة، ثم أتى المدرسة فانفتح له بابها، ودخل داره، فلما كان الغد أقسمت عليه أن يبين لي ما رأيت قال: أما البلد فنهاوند، وأما الستة فهم الأبدال، وصاحب الأنين سابعهم كان مريضا، فلما حضرت وفاته، جئت أحضره، وأما الرجل الذي خرج يحمل شخصا فأبو العباس الخضر عليه السلام ذهب به يتولى أمره، وأما الرجل الذي أخذت عليه الشهادتين فرجل من أهل القسطنطينية، كان نصرانيا، وقد أمرت أن يكون بدلا عن المتوفى، فأتي به فأسلم على يدي، وهو الآن منهم(45).

وقال الجبائي: قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر: أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في الأول، لا أرى الخلق ولا يروني، ثم قال: أراد الله عز وجل مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمس مئة من اليهود والنصارى، وتاب على يدي من العيارين والمشالحة وقطاع الطرق أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير(46) كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ، قَالَ: قَالَ لي الشَّيْخ عَبْد القادر: كنت فِي الصّحراء أكرّر الفقه وأنا فِي مشقَّةٍ من الفقر، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترضْ ما تستعين بِهِ عَلَى طلب الفِقْه، فقلت: كيف أقترض وأنا فقير، ولا وفاء لي؟ قَالَ: اقترض وعلينا الوفاء، قَالَ: فجئت إلى بقّالٍ فقلت لَهُ: تعاملني بشرْط إذا سهّل اللَّه لي شيئًا أعطيك، وإنْ متّ تجعلني فِي حِلّ، تعطيني كلَّ يومٍ رغيفًا ورشادًا، قَالَ: فبكى وقال: يا سيّدي أَنَا بحُكْمك، فأخذت منه مدَّةً، فضاق صدري، فأظنّ أَنَّهُ قَالَ: فقيل لي: امضِ إلى موضع كذا، فأيّ شيء رَأَيْت عَلَى الدّكَّة فخُذْه وادفعه إلى البَقَليّ، فلمّا جئت رَأَيْت عَلَى دكَّةٍ هناك قطعة ذهبٍ كبيرة، فأخذتُها وأعطيتها للبقليّ(47)

وقَالَ: ولحِقَني الجنون مرَّةً، وحُمِلت إلى المارِستان، وطرقتني الأحوال حتّى متّ، وجاؤوا بالكفن، وجعلوني على المغتسل، ثمّ سُرِّيَ عنّي وقمت(48)، ثمّ وقع فِي نفسي أن أخرج من بغداد لكثْرة الفِتَن الّتي بها، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أَيْنَ تمشي؟ ودفعني دفعةً حتّى خَرَرْتُ منها، وقال: ارجع، فإنّ للنّاس فيك مَنْفَعة، قلت: أريد سلامة دِيني، قَالَ: لك ذاك، ولم أر شخصه، ثمّ بعد ذَلِكَ طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظَّفَرّية، ففتح رَجُلٌ داره، وقال لي: يا عَبْد القادر، إيش طلبت البارحة؟ فنسيت وسكتّ، فاغتاظ منّي، ودفع الباب فِي وجهي دفعةً عظيمة، فلما مَشيتُ ذكرت الَّذِي سَأَلت اللَّهَ، فرجعت أطلب الباب، فلم أعرفه، وكان حمّادًا الدباس، ثم عرفته بعد ذلك، وكشف لي جميع ما كان يُشكِلُ علي، وكنت إذا غبْتُ عَنْهُ لطلب العِلم ورجعت إِلَيْهِ يَقُولُ: أيْش جاء بَك إلينا؟ أنت فقيه، مُرّ إلى الفُقهاء، وأنا أسكت، فلمّا كَانَ يوم جمعة، خرجت مَعَ الجماعة معه إلى الصّلاة فِي شدَّة البرد، فلما وصلنا إلى قنطرة النهر، فدفعني ألقاني فِي الماء، فقلت: غُسْل الجمعة، بسم الله، وكان على جُبَّة صوف، وفي كمّي أجزاء، فرفعت كُمّي لئلّا تهلك الأجزاء، وخلّوني ومشوا، فعصرت الْجُبَّة، وتبِعْتُهم، وتأذّيت من البرد كثيرًا، وكان الشَّيْخ يؤذيني ويضربني، وإذا غبت وجئت يَقُولُ: قد جاءنا اليوم الخُبْز الكثير والفالوذَج، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشةً عليك، فطمع فِيَّ أصحابه وقالوا: أنت فقيه، أيْش تعمل معنا؟ فلما رآهم الشيخ يؤذونني غار لي، وقال لهم: يا كلاب، لِمَ تؤذونه؟ واللهِ ما فيكم مثله، وإنّما أؤذيه لأمتحنه، فأراه جبلًا لا يتحرَّك(49).

-----------------------------------------------------------------------------------

(1)  يحب القتال وجنكي دوست لفظ أعجمي، إتحاف الأكابر (ص 114).

(2)  تاريخ ابن الوردي (2/68).

(3)  شذرات الذهب (4/199)، ت الأرناؤوط

(4)  مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، (21/80).

(5)  المختصر في أخبار البشر، (3/43).

(6)  إتحاف الأكابر في سيرة ومناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني (169).

(7)  مرآة الجنان وعبرة اليقظان (3/350).

(8)  مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، (21/80).

(9)  تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، (2/349).

(10)  العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، (1/265).

(11) المنتظم، (10/219).

(12)  رؤيا تاريخية معاصرة/ (ص9).

(13)  جغرافية الباز الاشهب/ (ص29).

(14)  الشيخ عبد القادر الكيلاني رؤية تاريخية معاصرة (11).

(15)  مختصر طبقات الحنابلة: (41).

(16)  لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني (1/311)

(17)  سير اعلام النبلاء (19/228).

(18)  الشيخ عبد القادر الكيلاني رؤية تاريخية معاصرة (12).

(19)  مختصر طبقات الحنابلة: لابن شطي (35-36).

(20)  لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني (6/ 189-190)

(21)  سير أعلام النبلاء/ (21 /301).

(22)  سير أعلام النبلاء/ (23/87).

(23)  إتحاف الاكابر في السيرة (187/188).

(24)  معجم المؤلفين: عمر بن رضا كحالة (5/307).

(25)  جغرافية الباز الأشهب (45).

(26)  كشف الظنون: حاجي خليفة (1/664).

(27)  الفتح الرباني والفيض الرحماني (7).

(28)  جغرافية الباز الاشهب، (49).

(29)  جغرافية الباز الاشهب، (49).

(30) أنظر سير اعلام النبلاء / للذهبي (20/439) ت الأرناؤوط.

(31) ذيل طبقات الحنابلة / ابن رجب (2/188) (ت العثيمين ط 1).

(32) شجر ينبت في جبال الشام، له حب كحب الينبوت، يسميه صبيان أهل العراق القثاء الشامي، وهو يابس أسود / لسان العرب/ محمد بن منظور الافريقي (1/351).

(33) ذيل طبقات الحنابلة / ابن رجب (2/203) (ت العثيمين ط 1).

(34) مجموع الفتاوى / ابن تيمية (10/463).

(35) مجموع الفتاوى / ابن تيمية (10/488).

(36) ذيل طبقات الحنابلة / ابن رجب (2/195).

(37) سير اعلام النبلاء/ للذهبي (15/181).

(38) المنتظم / ابن الجوزي (10/119).

(39) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان / شمس الدين أبو المظفر، (سبط ابن الجوزي) (21/92).

(40) البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، دار الفكر، عام النشر: 1407 هـ - 1986 م.

(41) عصر الدولة الزنكية: د. علي محمد محمد الصَّلاَّبي (17).

(42) جغرافية الباز الاشهب (41).

(43) عصر الدولة الزنكية: د. علي محمد الصَّلاَّبي (609).

(44) عصر الدولة الزنكية: د. علي محمد الصَّلاَّبي (609).

(45) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد/ محمد بن يوسف الصالحي الشامي (10/374).

(46) مرآة الزمان في تواريخ الاعيان (21/84).

(47) تاريخ الإسلام / شمس الدين الذهبي (12/252).

(48) انظر مرآة الزمان في تواريخ الاعيان (21/84).

(49) تاريخ الإسلام / شمس الدين الذهبي (12/252).

محمد عبدالخالق
كاتب المقال : محمد عبدالخالق
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -